حين نسمع عبارة اعادة تدوير الملابس نتخيل غالباً حاوية تُرمى فيها الملابس القديمة ثم تختفي. لكن الحقيقة أن الأمر سلسلة من القرارات تبدأ عند الفرز ولا تنتهي عند الحاوية. وفي هذا المقال نوضح ماذا يحدث فعلياً لقطعة الملابس بعد التخلي عنها، وما الفرق بين إعادة الارتداء والإصلاح وإعادة الصياغة وتفكيك القماش إلى ألياف جديدة، وأين يقع دور جمعية كسوة الكاسي في هذه السلسلة.
يعتمد المختصون في إدارة النفايات ترتيباً للأولويات يُعرف بهرم النفايات. وفي المنسوجات تُقيَّم القطع المجمَّعة أولاً لمعرفة هل تصلح للارتداء مجدداً أو للإصلاح، ولا تصبح مرشحة للتدوير إلا القطع التي لم تعد صالحة للارتداء، بحسب ما توضحه مبادرة «فاشن فور جود» المتخصصة في الاستدامة في الأزياء. ولهذا فإن اعادة تدوير الملابس بمعناها الدقيق تأتي بعد استنفاد فرص الاستخدام والإصلاح، لا قبلها.
ويترتب على ذلك أن رمي الملابس في حاوية ليس تدويراً، وأن نقلها من مكان إلى آخر ليس تدويراً كذلك. التدوير الحقيقي هو أن تنتهي القطعة إلى استخدام جديد، سواء بارتدائها مرة أخرى أو بتحويلها إلى منتج مختلف أو بإعادتها إلى مادة خام. وما لم يُفرز ما نتبرع به أصلاً، فقد تضيع قطع صالحة وسط ما لا يصلح.
وتتدرج الخيارات هكذا من الأعلى أولوية إلى الأدنى:
خلصت دراسة منشورة في مجلة «سستينابيليتي» العلمية عام 2021 إلى أن كل مسارات تدوير المنسوجات تحتاج إلى فرز واسع، لأن اختلاط الخامات والألوان ينتج مادة خاماً رديئة الجودة. فالفرز ليس عملاً ثانوياً، بل هو الذي يقرر هل تذهب القطعة إلى متبرَّع له أو إلى ورشة أو إلى التفكيك.
كثير من الملابس مصنوعة من أكثر من نوع من الألياف، وهذا ما يجعل تدويرها معقداً. وتبيّن الدراسة نفسها أن التدوير الميكانيكي للألياف يعطي أفضل نتائجه مع القطن والكتان والصوف والأكريليك، وأن جودة المنتج المعاد غالباً أقل من الأصلي وتعتمد على جودة المادة الداخلة. وهنا يتضح أن نجاح اعادة تدوير الملابس يبدأ من الفرز الدقيق لا من الآلة.
التدوير الميكانيكي هو الأكثر رسوخاً وانتشاراً، إذ تُمزَّق الألياف أو تُسحب بوسائل فيزيائية دون مواد كيميائية، وتحتاج طاقة قليلة نسبياً. لكن الثمن هو الجودة، فالألياف تتدهور مع كل دورة، وغالباً يحتاج الناتج إلى خلطه بمواد جديدة ليبلغ المعايير المطلوبة، كما تذكر «فاشن فور جود».
أما التدوير الكيميائي فيفكك المادة إلى مكوناتها الأولى ثم يعيد بناءها، وهو أقدر على التعامل مع الخلطات والألوان المتعددة، لكنه أعلى كلفة وما زالت قدرته التجارية تتوسع. وكلا الطريقين يتطلب مصانع متخصصة واستثمارات كبيرة في الفرز والمعالجة، ولذلك تتركز جهود جمعيات كثيرة على المراحل الأولى من الهرم. فلا ينبغي أن نفهم اعادة تدوير الملابس على أنها مصنع واحد، بل مساران يختلفان في الكلفة والجودة والخامة المناسبة لكل منهما.
وهناك مسار وسيط تتجاهله النقاشات العامة، إذ تُحوَّل بعض القطع التي لم تعد صالحة للارتداء ولا للتفكيك إلى خرق تنظيف صناعية، وهو مسار يقع ضمن هرم النفايات أعلى من التدوير الميكانيكي كما يوضح موقع «ريسورس ريسايكلنج» المتخصص في إدارة المخلفات. وهذا يؤكد أن لكل قطعة وجهة تناسب حالتها، وأن الفرز هو الذي يحدد الوجهة.
تعرّف الجمعية نفسها في موقعها الرسمي بأنها متخصصة في تدوير الملابس والأثاث، فهي تستقبل التبرعات ثم تتحمل مسؤولية صرفها للمستفيدين من الأيتام والأرامل والمطلقات وذوي الدخل المحدود وأصحاب الهمم. وهذا هو المسار الأول من الهرم، أي إعادة الاستخدام. وقد سجل تقرير الربع الأول لعام 2026 صرف 1739490 قطعة خلال الربع.
وعلى مستوى إعادة الصياغة نفذت الجمعية برنامج إبرة وخيط، وهو دورات خياطة وتطريز وإعادة تدوير بدعم من صندوق دعم الجمعيات، بهدف تأهيل المستفيدين وتنمية مهاراتهم وتمكينهم من دخول سوق العمل. كما تقيم الجمعية دورات توعية للحد من الإسراف. وبهذا تتجاوز اعادة تدوير الملابس عند الجمعية حدود الأثر البيئي إلى أثر اجتماعي واقتصادي يصل إلى المستفيد نفسه.
وتتنوع وجهات الصرف بتنوع المواسم والفئات، فبرامج الجمعية المعلنة تشمل كسوة عيد الفطر وكسوة عيد الأضحى والزي المدرسي وكسوة الشتاء ومستلزمات رمضان وكسوة العروس وكسوة المواليد. وكل قطعة تُفرز بدقة تجد برنامجاً يناسبها بدل أن تبقى في الخزانة أو تذهب إلى النفايات.
ومن أنفع ما يمكن أن يفعله أي بيت أن يشتري بقدر الحاجة، فالتدوير الأرخص والأبسط هو ألا نتخلص مما لا يزال صالحاً. وهذا يتسق مع دورات الحد من الإسراف التي تقيمها الجمعية.
الفرق بين قطعة تضيع في النفايات وقطعة تصل إلى من يحتاجها يبدأ بقرار صغير في خزانتك: أن تفرز وتفصل وتسلّم. وحين يتعاون المتبرع مع جمعية كسوة الكاسي، تتحول الملابس الزائدة من عبء إلى كسوة تحفظ كرامة أسرة وفرصة تدريب لمستفيدة.
ولمعرفة المزيد عن طرق التبرع العيني، تفضل بزيارة خدمة: طلب التبرع العيني أو تواصل معنا لمعرفة التفاصيل وطرق الدعم المتاحة.